المقريزي

118

إمتاع الأسماع

فلما طال سجن عدي كتب إلى أخيه أبي ، وهو مع كسرى بشعر فقال فيه شعرا . فزعموا أن أبيا لما قرأ كتاب عدي قام إلى كسرى فكلمه ، فكتب وبعث معه رجلا ، وكتب خليفة النعمان إليه : إنه قد كتب إليك ( في أمره ) ، فأتاه أعداء عدي من بني بقيلة ( 2 ) من غسان ، فقالوا : اقتله الساعة ، فأبى عليهم وجاء الرجل ، وقد تقدم أخو عدي إليه ورشاه ، وأمره أن يبدأ بعدي ، فدخل عليه وهو محبوس بالصنين ، فقال : ادخل عليه فانظر ما يأمرك به ، فدخل الرسول على عدي ، فقال : إني قد جئت بإرسالك ، فما عندك ؟ قال : عندي الذي تحب ، ووعده عدة ، وقال : لا تخرجن من عندي ، وأعطني الكتاب حتى أرسل به ، فإنك والله إن خرجت من عندي لأقتلن ، فقال : لا أستطيع إلا أن آتي الملك بالكتاب ، فأدخله عليه ، فانطلق مخبر حتى أتى النعمان ، فقال : إن رسول كسرى قد دخل على عدي وهو ذاهب به ، وإن فعل والله لم يستبق منا أحدا ، أنت ولا غيرك . فبعث إليه النعمان أعداءه فغموه حتى مات ، ثم دفنوه . ودخل الرسول على النعمان بالكتاب ، فقال : نعم وكرامة ! وبعث إليه بأربعة آلاف مثقال وجارية ، وقال له : إذا أصبحت فادخل عليه ، فأخرجه أنت بنفسك . فلما أصبح ركب ، فدخل السجن ، فقال له الحرس : إنه قد مات منذ أيام ، فلم نجترئ على أن نخبر الملك للفرق منه ، وقد علمنا كراهته لموته . فرجع إلى النعمان فقال : إني قد دخلت عليه وهو حي ، ( وجئت اليوم فجحدني السجان وبهتني . وذكر له أنه قد مات منذ أيام ) فقال له النعمان : يبعثك الملك إلي فتدخل إليه قبلي ! كذبت ، ولكنك أردت الرشوة والخبث . فتهدده ، ثم زاده جائزة وأكرمه ، واستوثق منه ألا يخبر كسرى ، إلا أنه قد مات قبل أن يقدم عليه . فرجع الرسول إلى كسرى ، فقال : إنه قد مات قبل أن أدخل عليه ، وندم النعمان على موت عدي ، واجترأ أعداء عدي على النعمان ، وهابهم النعمان هيبة شديدة ، فخرج النعمان في بعض صيده ذات يوم ، فلقي ابنا لعدي ، يقال

--> ( 1 ) المروح : الإبل المروحة إلى أعطافها ، والغريب ما ترك في مراعيه ، وانظر بقية الأبيات في رواية الأغاني . ( 2 ) بقيلة : بطن من الحيرة .